الاخبار:: حسين الأمين الأربعاء 28 تشرين اول 2026
شكّلت الانتخابات الإسرائيلية، أمس، محطّة مفصلية في تاريخ الكيان الذي يعيش، منذ ثلاث سنوات، على وقع تحدّيات أمنية متزايدة وحروب لا تكاد تتوقّف. ولم تَظهر المشاركة المرتفعة في الاقتراع بعيدة من هذا السياق؛ فبعد السابع من أكتوبر وكلّ ما تلاه، لم يأتِ يوم التصويت إلا والناخبون الإسرائيليون مختلفون على المسؤولية عمّا جرى، وعلى إدارة الحرب وتبعاتها، وعلى هوية من سيقود إسرائيل في المرحلة المقبلة. وإذ بدا الاستحقاق، عملياً، استفتاءً على بنيامين نتنياهو: معه أو ضدّه، فإن الأسماء الأخرى، على اختلاف أحجام أصحابها، اكتسبت أهميتها أساساً من موقعها في هذه المعركة. وفي حين تجاوزت نسبة التصويت 75%، لتكون أعلى نسبة في تاريخ الكيان، أعطت مجمل عيّنات الخروج معسكر نتنياهو 50 مقعداً، مقابل 52 لمعارضيه و18 للأحزاب العربية، وهي أرقام تقديرية أوّلية.
يبدو المؤكد على أيّ حال، إذا ثبتت اتجاهات عيّنات الخروج التي نُشرت مساء أمس، أن تأييد نتنياهو تراجع بوضوح. لكن تراجع الرجل لا يعني خسارته الكاملة، ولا أنه سيصبح خارج الساحة السياسية. فـ«الليكود» بقي الحزب الأكبر في التقديرات الأولية، فيما نتنياهو حاضر في معظم الاحتمالات التي تفتح عليها النتائج، سواء انتهت إلى حكومة لخصومه، أو إلى تسوية معهم، أو إلى تعثّر التشكيل والعودة إلى الانتخابات. وبينما يراهن معارضوه على إخراجه من الحكم، يراهن هو على أن إسقاط أغلبيته، أسهل من الاتفاق على بديل منه. ومع ذلك، أظهرت عينات الخروج حجم المأزق الذي يواجهه الرجل؛ ففي انتخابات 2022، نال «الليكود» 32 مقعداً، وحصل المعسكر الذي يقوده على 64، بما مكّنه من تشكيل حكومته الحالية. أمّا التقديرات الأولية الآن، فتضع الحزب عند نحو 24 أو 25 مقعداً، ومعسكره بعيداً عن الأغلبية.
وإذ تعني تلك الأرقام تراجعاً سياسياً كبيراً لا تمحوه حقيقة تصدّر «الليكود» ترتيب الأحزاب، فإنها لا تكفي، في الوقت نفسه، لتتويج خصومه؛ فالمقاعد التي قد تُنهي حكمه لا تتحوّل تلقائياً إلى حكومة بديلة، لا سيما في ظلّ التباينات بين القوى التي جمعها الاعتراض عليه. ومن هنا، يطلّ احتمال إعادة الانتخابات باعتباره مخرجاً واقعياً من الانسداد، وإن لم يكن نتيجة محسومة؛ علماً أن إسرائيل عرفت مساراً مشابهاً بعد انتخابات نيسان 2019، وذلك حين فشل نتنياهو في تشكيل حكومة، فحُلّ «الكنيست» وأُعيد الاقتراع في أيلول. ولم تُنتج الجولة الثانية حكومة أيضاً، ليتمّ التوجّه إلى انتخابات ثالثة في آذار 2020، ومن ثمّ تشكيل «حكومة الوحدة» مع بني غانتس، قبل أن يؤول الأمر إلى انتخابات رابعة في آذار 2021، خرج نتنياهو بَعدها من الحكم، ومن ثمّ عاد إليه سريعاً إثر انتخابات تشرين الثاني 2022.
عاش معسكر نتنياهو يوم الاقتراع على إيقاع خوف بالغ وواضح من خسارة السلطة
عاش معسكر نتنياهو يوم الاقتراع على إيقاع خوف بالغ وواضح من خسارة السلطة. وفي الساعات الأخيرة قبل إقفال الصناديق، حمل رئيس الحكومة مكبّر صوت داخل مركز تجاري، داعياً الناس إلى ترك التسوّق والتوجّه إلى الصناديق، محذّراً من أن «عدم اقتراعهم سيؤدي إلى الخسارة لصالح العرب». وأما إيتمار بن غفير، فتوجّه إلى شاطئ في بات يام، مخاطباً المتنزّهين بالمكبّر نفسه، ومستحضراً ارتفاع التصويت في البلدات العربية لحثّهم على المغادرة والاقتراع. أما بتسلئيل سموتريتش، فاستنفر ناخبي اليمين، محذّراً من «التصويت لقوائم قد لا تتجاوز نسبة الحسم»، ومن الاستيقاظ على حكومة يصفها بأنها حكومة «يسار». لا بل بلغ هذا القلق حدّ تصوير اقتراع فلسطينيي الداخل، بوصفه محاولة لـ«سرقة» الانتخابات من اليهود، و«خطراً على هوية الدولة». وفي المقابل، بدا معسكر معارضي نتنياهو، خلال اليوم الانتخابي على الأقلّ، أكثر انضباطاً وجدية في حشد جمهوره وإدارة خطابه، وإن كان ذلك لا يجيب بعد عن سؤال قدرته على البقاء موحّداً بعد ظهور النتائج.
أما الواقعون تحت سوط سياسات إسرائيل العدوانية، فلم تبدُ انتخابات الأمس شيئاً واحداً بالنسبة إليهم. وتبدو حصة فلسطينيّي الداخل الأهمّ في هذا الاستحقاق؛ إذ أثبتوا، بمشاركتهم وحضور قوائمهم في عيّنات الخروج، أنهم قوة لا يستطيع أيّ من المعسكرَين تجاهلها، وحجزوا لأنفسهم مساحة أوسع في القرار الذي سيحكم تفاصيل حياتهم. وفي حين باتت أمامهم، والحال تلك، فرصة حقيقية لإزاحة الطغمة الفاشية التي سوّدت يومياتهم خلال السنوات الماضية، وفي مقدّمها إيتمار بن غفير، فإن تحويل قوتهم الانتخابية إلى تأثير سياسي يبقى رهناً بما سيحدث بعد الفرز، وباستعداد معارضي نتنياهو للتعامل مع ممثّليهم، وهو أمر يبدو معقّداً حتى الآن. أما فلسطينيّو الضفة الغربية وقطاع غزة، فتبدو حصّتهم من أيّ تغيير معدومة؛ فالخلاف بين نتنياهو وخصومه، على أهميته داخل إسرائيل، لم يُنتج قطيعة مع المواقف العدائية والاستيطانية والدموية تجاههم. وبالنسبة إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران، تبدو قدرة هذه الأطراف على التأثير في الانتخابات أو الاستفادة من نتائجها محدودة جداً. ذلك أن الشخصيات المتنافسة قد تختلف في أدائها ودوافعها وكوابحها، وأن هذا الاختلاف قد ينعكس على توقيت التصعيد وطريقة إدارته؛ لكنه يظلّ يغيّر في التكتيك أكثر مما يغيّر في الاستراتيجيا، التي حكمت سياسات إسرائيل طيلة السنوات الثلاث الماضية.

